← العودة إلى المقالات
آب 2026 · النهار

هل الحكم امتناع؟!

رشيد درباس

وكان الناس في عيش رغيدٍ

فجاءوا بالمُحال فكدّروهُ

أبو العلاء المعري

من أغرب الظواهر السياسية زعم الممسكين بزمام الأمور أنهم من أهل المعارضة، فمنذ بدأت دولة الطائف تحملت وتتحمل الحكومات المتتالية مسؤولية الفشل المتوالي، فيما القرار في حقيقته معقود اللواء لقوى الأمر الواقع، سواء كان ذلك في ظل الهيمنة السورية أو في عصر تجذر قوة حزب الله. لقد حاول رفيق الحريري أن يكون حاكمًا في فترات الاستراحة بين الفصول، وبقيت عينه معلقة على إيماءات عنجر، أو تصريحات أصدقاء الحكم السوري، لكي يحاول إدارة الدفة بطريقة تجنبه الاصطدام بالصخور. فلما يئس وباءت محاولاته بالفشل حاول الذهاب إلى المعارضة "اللطيفة"، فكمن له الموت قرب "السان جورج".

جرب الرئيس فؤاد السنيورة أن يدير الأمور وفق مفهوم رجل الحكم، فلما وصلت سياساته إلى حدود خطيرة، فجروا الشارع في وجه الدولة، فكانت الدوحة التي أكدت "حقًا شاذًا" للمعارضة بالإمساك بالحكم، أو بتعطيله.

ولما ربح سعد الحريري وقوى 14 آذار الانتخابات في العام 2009 سقطت حكومته بقرار الثلث "العاطل"، بعد ذلك فقد أكثرية تسميته لرئاسة الحكومة بفعل المعارضة ذات القمصان السود.

على مدى العهود، كانت قرارات حكومية كثيرة تنتظر إشارة موافقة من وزيري "الحزب" اللذين لا يمسكان بوزارات مهمة، بل يِخَتْميِّ الإبرام والإبطال.

دخل لبنان إلى حرب 2006 دون معرفة رئيس الحكومة ومعظم الوزراء، فكان لزامًا عليهم ترميم الدمار، وإقامة الحوار والتوصل إلى حلول دون أن ينجوا من التخوين والافتراء، بعد أن جرى الانقلاب على القرار الدولي 1701 رغم تأييده الاجماعي في مجلس الوزراء.

تلك المعادلة ظلت سائدة بين "شكل حكومي" يتحمل المسؤولية بيد مغلولة، ومعارضة تمتد بوجودها ونفوذها وحروبها إلى الجوار، تاركة "للشكل الحكومي" أن يقلع الشوك الذي تزرعه هي.

دخلنا في حربي الإسناد، فانكشفت الأمور عن فجوات عميقة جرت محاولات تغطيتها بالخطب، لكن فداحة الخسائر كانت أكبر من أي تمويه، حتى أصبح الإفراج عن انتخاب رئيس للجمهورية أمرًا لا مفر منه، وذلك أدى إلى ضمور دور ممثلي الحزب في الحكومة، من الاعتراض المعطل، إلى الاكتفاء بتدوين عدم الموافقة، خصوصًا بعد التغيير الجذري الذي حدث في سوريا.

في حكومة الرئيس السنيورة (البتراء) استقال الوزراء الممانعون لأمور أقل أهمية بكثير من قرار السلطة بالتفاوض المباشر في حين يواظب وزيرا الحزب الآن على عملهما؛ كما ظهرت تباينات على السطح بينهما وبين وزيري حركة أمل في الوقت الذي قطعت فيه المفاوضات مراحل كثيرة، بما يدل على أن الظروف الموضوعية أملت على المعترضين الاكتفاء بإعلان المواقف الحادة، ولكن على خلفية انتظارية تترقب ما يمكن أن تسفر عنه محاولات رئيس الجمهورية بالتشاور مع رئيس الحكومة من نتائج ملموسة.

ذهب رئيس الجمهورية لمقابلة الرئيس الأميركي معلنًا استعداده للقيام بتسوية لا تُفِرِّطُ بالتراب اللبناني، كما أعلن مسبقًا أنه لن يلتقي بنتنياهو، وجعل الأمور الأخرى مرهونة بمواقف الدول العربية مجتمعة، وكان يُعَوِّلُ في نهجه على معرفته العميقة برغبات الشعب اللبناني المنكوب، لا سيما أهل الجنوب، كما على تطورات دولية قد تسنح لتأمين الانسحاب الاسرائيلي الكامل والسيطرة الكلية على الدولة.

إنني لا أقلل من حجة الممانعة بشأن أطماع إسرائيل في لبنان والمنطقة، فذلك أمر معلوم بحكم طبيعة الكيان، ولكن يقتضي التنبه إلى أن إسرائيل بعد حرب غزة، ومحاولات التهجير والسقوط الفظ في العنصرية والجرائم المعادية للإنسانية، أحدثت تغييرًا جوهريًّا لدى الرأي العام العالمي، أدى إلى قيام مظاهرات شعبية مؤيدة للشعب الفلسطيني ولقرار مئة وأربعين دولة عضوٍ في الأمم المتحدة من أصل مائة وثلاث وتسعين، بدولة فلسطين، رغم ما هي عليه السلطة الفلسطينية من وهن، وما على اسرائيل من قوة عاتية. يضاف إلى ذلك أنه يعتبر من قبيل التفريط السياسي عدم محاولة الاستفادة ولو من ثغرة بسيطة في علاقة نتنياهو مع ترامب، ذلك أن السلاح ليس دائمًا فيصل الحلول، بل إنني أرى أن إسرائيل قد خسرت بالسياسة ما حاولت أن تكسبه بالتدمير والاجتياح.

ونحن إذا عدنا إلى أمس قريب، حين ذهب رئيس الجمهورية لتمثيل لبنان في دورة الجمعية العمومية السنوية للأمم المتحدة، لم يكن لديه أي برنامج مع الحكومة الاميركية، أما في زيارته الأخيرة، فقد كانت زيارة دولة بمعنى الكلمة حصل فيها على تعهد بالتعاون الاقتصادي الذي قد يكون تمهيدًا للإفراج الخليجي عن مساعدة لبنان.

من غير أن أتوغل في تطورات الحرب على إيران، أشير إلى أن المنطقة تسير إلى تحولات خطيرة سياسية واقتصادية لا ينبغي لنا أن نقف حيالها في صفوف المشاهدين، بل إنني أثمن في هذا الصدد محاولات الحكومة إبرام اتفاقيات مع العراق لتفعيل الأنبوب بين كركوك وطرابلس، وأدعو إلى أن تمارس الدولة سلطاتها فورًا، كما لو أن التسوية حصلت اليوم.

روى وليد جنبلاط عن حكمت الشهابي في برنامج "شاهد على العصر" في قناة الجزيرة، أن كلينتون عرض على الرئيس حافظ الاسد، تسوية تنسحب بموجبها إسرائيل من الجولان ما عدا بعض الأمتار على بحيرة طبريا فلم يوافق الرئيس الأسد. وروى محمد حسنين هيكل، عن الرئيس جمال عبد الناصر أنه قال للملك حسين إنني أشجعك على أي شيء تقوم به لاسترداد الضفة الغربية، أما الراحل الدكتور إدوارد سعيد فلم يعترض على "أوسلو" بل على الوفد المفاوض الذي كانت تنقصه الاحترافية اللازمة.

إن المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية الأميركية قد تنجح، وقد لا تنجح، لكن النجاح الأكيد للدولة اللبنانية هو بوحدة شعبها. فالحكم قرار وابتكار والتقاط فرص، وليس الاستنقاع في الامتناع.