مُعَلَّقَةُ ترامب
ملأْنا البرَّ حتى ضاقَ عنَّا
وَ ظَهْرَ البَحْرِ نملؤهُ سفينا
عَمْرو بن كلثوم
لم تكن زلة لسان، إشارة الرئيس "ترامب" في "معلقته" على جدار الكونغرس إلى أن إيران تصنع صواريخ يصل مداها إلى بَرِّ الولايات المتحدة، فهذه المقولة قصد الرئيس بها إبلاغ رسالة مزدوجة: الأولى لإشعار الداخل الأميركي بالخطر، والثانية للإيماء إلى إيران بأن مسألة الصواريخ لن تستبعد من جدول أعماله. ولعله بما ذهب إليه، كان يوطىء لضربته فجر السبت.
ولو عدنا إلى المشهدية البحرية الفريدة في حجمها لوجدنا أن الرئيس الأميركي الذي يلقب نفسه ببطل السلام، حاول أن يأخذ الدفعة الأولى من شروطه بمهابة التحشيد وهول العاقبة، مفضلًا إطلاق العنان للسانه الذرب، قبل أن يأمر بإطلاق المدفعية وانقضاض الطائرات. وهو رغم وصفه النظام الإيراني بأنه راعي الإرهاب الأول في العالم، أبدي استعداده التام لكي يعقد معه شراكة تجارية واسعة على شروطه الصارمة، فلما وصلت المفاوضات إلى الحائط المسدود أعلن هدف الحملة بإسقاط النظام.
اللافت في هذا النزاع المركَّب أن التفاوض تجاذبه المضمر والمعلن، وتداخت فيه المطارحات المبدئية مع الطروحات المصلحية، بما عزز الشك أن ترمب كان يفضل "المثال الفنزويلي" الذي اقتصر على انتشال "مادورو" وزوجته من فراشهما في غمضة عين، فانصاع النفط للخطط الأميركية، وكذلك فعلت نائبة الرئيس؛ ولهذا أكثر من تهديد مرشد الجمهورية الإيرانية عله بهذا التهديد يصل من غير كلفة حربية إلى إحكام قبضته على النفط الإيراني ومنع تدفقه إلى الصين، ولكن الأمور سارت بعد ذلك بعكس ما روجه المفاوض الإيراني ووزير الخارجية العماني.
مما لا شك فيه أن الوقت الذي استغرقه تجميع الحاملتين والمدمرات والطائرات، وإعداد القواعد، والوقت الذي سيستغرقه بقاؤها، يشكل عامل ضغط على " حال الاتحاد"، كما على الشرق الاوسط كله، حيث تتوجس دول الجوار من عواقب الضربة العسكرية، لأنها على قلق مما ستفسر عنه من نتائج مباشرة أو غير مباشرة، كما هي على قلق مزمن منذ انطلاق مشروع تصدير الثورة الذي أعلنه الإمام الخميني. أما أوروبا التي لم تخرج بعد من الوحول الأوكرانية الممزوجة بالتأنيب والاضطهاد الأميركيين، فتتحسب جدًّا لدولها من الآثار الاقتصادية، والاجتماعية التي سيخلفها نزاع مسلح لا يدري أحد مداه في الزمان والمكان.
كثيرًا ما كانت الولايات المتحدة تقضي حاجاتها من الدول بالطرق الدبلوماسية والإنذارات الصارمة، معتمدة على هيبتها المعروفة، أما الآن فإن الإكثار من الاستنفار العسكري، والتدخل المباشر ينطوي على احتمالات الدخول في احتراب طويل، حذر منه الجنرال "ماك أرثر" خلال حرب فيتنام، وأوصى بضرورة تلافي الحروب البرية في آسيا مشيرًا بذلك إلى تجربته المريرة في كوريا.
لا ينطوي ما استعرضته على جديد، فظاهر الحال كباطنه، وكلٌّ يقرأ في نص واضح ويحاول استخلاص ما يخصه منه، فدول الخليج ومصر والأردن وتركيا، استطاعت أن تبطىء وتيرة الحركة الحربية للأسباب التي سبق ذكرها، وهي في الوقت عينه تتخذ الاحتياطات الضرورية للتخفيف من الأضرار التي ستنجم عن القتال، وأبرزها الشهية الإسرائيلية المفتوحة التي تريد المشاركة في ضرب إيران لتسوغ لنفسها مزيدًا من قضم أرض فلسطين، مع نزوع قديم نحو وضع يدها على ما تطاوله من الأرض العربية. أما في لبنان، فأمرنا من العجب العجاب. إذ، حيال تواتر الأيام والساعات نحو معركة واسعة، تنشغل الحضرة السياسية بقشور ومشاحنات ودراسات قانونية ودستورية، وحقوق طوائف، وصلاحيات رئاسات، وتأجيل انتخابات، وما إلى ذلك من تعام وتجاهل، في حين يتوقع اللبنانيون من الحكومة بيانات رصينة وصادقة، تصنف لهم مدى الأخطار وخطط امتصاصها واستيعابها، فما نحن إلا زورق متصدع في إعصار لئيم، وسط مرحلة لا يجوز فيها إلا الإمساك الحازم بالأزِمَّةِ والأشرعة، فلا وقت أمام الربان والبحارة الا الاهتمام بهذا، ولا مجال أمام الركاب سوى حث هؤلاء على إيصال المركب إلى ملجأ آمن الاتقاء، كي لا تحوَّلنا الأمواجُ فرائس لأشداقها.
ومن المفيد لفت النظر أن السجال المستدام بين الحركات المطلبية والحكومة، هو سجال في غير موضعه، لأن ضغط الشارع لا يولد إلى مزيدًا من الضرائب، والضرائب لا تولد إلا العودة إلى الشارع الأمر الذي يقتضي التنبه معه أن الطرفين لا ينبغي لهما أن يكونا على تضاد، لأنه تضاد متوهَّم، فالحل الحقيقي هو بإنخراط الدولة في مشروع تكبير الاقتصاد لكي تنجو الزيادات من الحالات التآكلية. ومن المفيد أيضًا التذكير أن الهشاشة السياسية والاقتصادية للدولة بأمس الحاجة إلى الاحتضان الخارجي والداخلي معًا، وإلا فقدت أمل الشفاء، وصارت حالة ميؤسًا منها، خاصة بوجود النزوع الخطابي إلى عملية "إسناد ثانية".
أعود إلى الإشارة إلى أن الدبلوماسية الإيرانية التي حاولت أن تستدرج ترامب إلى حالة (أوبامية) فاتها أن ترامب أيضًا استدرجها إلى مفاوضات فاشلة ليبرر تدخله العسكري، بعد إتمام الاستعداد اللوجستي والسياسي لتنفيذ ما عزم عليه.
تبقى النقطة الأخطر، وهي أن "معلقة" الرئيس ترامب الأولى أمام الكونغرس قد لحقتها "معلقة" أخرى قبيل فجر العملية العسكرية، بعد أن سبقها إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي عن أن جيشه بدأ حربًا استباقية وكأنه بذلك يحجز مسبقًا جوائز ترضية تطلق لنتنياهو حرية العدوان على لبنان وما تبقى من فلسطين.